المقريزي

188

المقفى الكبير

وقلّت الأقوات عنده حتى كان يجري لكلّ من أصحابه رغيفا وثلاث جوزات في اليوم . فبينا هم في ذلك إذ مات السلطان ، فرحل العسكر وغنم الحسن ما تخلّف عنهم . ثمّ إنّ ابن الصبّاح ندب لقتل الأفضل ابن أمير الجيوش من أصحابه ، فلمّا قتل في شهر رمضان سنة خمس عشرة وخمسمائة [ 353 ب ] ، وولي القائد أبو عبد اللّه محمد بن فاتك المعروف بالمأمون البطائحيّ وزارة الخليفة الآمر بأحكام اللّه بعد قتل الأفضل ، اتّصل به أنّ النزاريّة والحسن بن الصبّاح فرحوا بموت الأفضل ، وأنّ آمالهم امتدّت إلى قتل الآمر والمأمون ، وقد بعث ابن الصبّاح رسلا لمن في مصر من أصحابه بأموال تفرّق فيهم . فضبط حينئذ المأمون أمر مصر ضبطا عظيما حتّى قبض على جماعة كثيرة من أصحاب ابن الصبّاح . وعقد مجلسا بالقصر للنظر في أمر النزاريّة . وكتب إلى الحسن بن الصبّاح يعظه ويأمره بالرجوع عن القول بإمامة نزار ، فلم يقنع بذلك ، وأقام على دعوته إلى أن مات بناحية الموت في سنة ثماني عشرة وخمسمائة . وكان ذا سمت وزهد ، وله أتباع من جنسه . وقام من بعده بالموت ديلميّ يعرف بزركمين . وهذه الطائفة الإسماعيليّة يقال لها أيضا الباطنيّة ، وأصل دعوتها مأخوذ عن القرامطة . وأوّل ما عرف أمرها أنّه اجتمع منها ثمانية عشر رجلا يوم العيد في مدينة ساوة ، وقد فطن بهم الشّحنة « 1 » وأخذهم وسجنهم ثمّ سئل فيهم فخلّى عنهم ، وكان ذلك في سلطنة ملكشاه . ثمّ إنّهم دعوا مؤذّنا من أهل ساوة كان بأصبهان ، فلم يجبهم فقتلوه فأمر الوزير نظام الملك بتتبّعهم ، فأخذ رجل نجّار اسمه طاهر وقتل ومثّل به وجرّت العامّة برجلة في الأسواق . فحنق الباطنيّة ودسّوا على نظام الملك حتى قتلوه بالنجّار . ثمّ اجتمعوا في موضع بالقرب من قاين « 2 » ، وأخذوا قافلة عظيمة مرّت بهم من كرمان ، وقتلوا سائر من بها إلّا رجلا تركمانيّا ، فإنّه فرّ إلى قاين وأعلم الناس فخرجوا إليهم فلم يقدروا عليهم . وعظم أمرهم واشتدّت شوكتهم بنواحي أصبهان ، وصار دعاتهم يسرقون من قدروا عليه ويقتلونه حتى أتلفوا خلقا كثيرا ، وانتشرت دعوتهم . ثمّ إنّ الفقيه أبا القاسم مسعود بن محمّد الخجنديّ الشافعيّ تجرّد لهم بمدينة أصبهان وجمع الجمع الغفير بالأسلحة وتطلّبهم وأخذ منهم عالما كبيرا ، وحفر لهم أخاديد وأضرمها نارا ، وجعلت العامّة تأتي بالباطنيّة أفواجا وفرادى وتلقيهم في النار ، وقد أوقفوا على رأس الأخاديد رجلا سمّاه مالكا ، فقتل منهم خلق كثير في شعبان سنة أربع وتسعين وأربعمائة . وكان الباطنيّة قد اجتمعوا على أحمد بن عبد الملك بن عطّاش وألبسوه التاج وجمعوا له الأموال وقدّموه عليهم ، مع جهله ، لأنّ أباه كان مقدّما فيهم . فاتّصل بدزدار « 3 » قلعة أصبهان التي بناها السلطان ملك شاه ، وبقي معه فوثق به الدزدار وقلّده الأمور ، فلمّا مات الدزدار بعد موت ملكشاه في أيّام خاتون الجلاليّة أمّ السلطان محمد بن ملكشاه ، استولى أحمد [ بن عبد الملك ] بن عطّاش على القلعة بعده ، ونال المسلمين منه ضرر عظيم من أخذ الأموال وقتل الأنفس وقطع الطريق والخوف الدائم . وفي الحسن بن الصبّاح يقول الشريف أبو يعلى

--> ( 1 ) الشّحنة : صاحب الشرطة . ( 2 ) قاين : بين نيسابور وأصبهان ( ياقوت ) . ( 3 ) الدزدار أو الدزدان : الوالي .